لا شك في أن الذكاء الاصطناعي هو القوة التحويلية الأكبر في العالم الحالية. إن مردود الذكاء الاصطناعي على أي مجال هو بمثابة تقدم أو نتيجة ثورية. لا سيما إذا ما كنا نتحدث عن الرعاية الصحية، والذي يعد بالكثير من التغييرات الحياتية المؤثرة للغاية. بداية من غرف الرعاية في المستشفيات، وحتى التجارب السريرية وتطوير قطاع العقاقير الطبية. حيث يعمل الذكاء الاصطناعي مع تطبيقاته على تطوير القطاع الصحي وكل ما يتعلق به من أعمال، في سبيل تقليل تكاليف الإنفاق الخاصة بكل من المؤسسات الصحية، والمرضى. نعم، الذكاء الاصطناعي هو أشبه بفيلم الخيال العلمي الذي تشاهد في أيام الثلاثاء المملة. ولكن هذا الخيال موجود في واقعنا الملموس المادي.

تبلغ الاستثمارات – سواء الخاصة أو الحكومية – في استخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية والسلامة مقدار كبير بالفعل. حيث تشير الأرقام أن إجمالي الاستثمارات سيصل إلى حوالي 6.6 مليار دولار بحلول عام 2021. وبالنسبة للأرقام التي تبدو أكثر أهمية وهي أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي من شأنها أن توفر فيما يقارب 150 مليار دولار سنويًا، وذلك بحلول عام 2026. ويمكننا القول باختصار أن كل هذه الحصيلة من الأموال تأتي من أتمتة العمليات التشغيلية، المساعدة الكبيرة لإجراء عمليات جراحية أكثر دقة، تطوير الإجراءات الوقائية والعلاجية، وذلك من خلال دقة التشخيص. ولكن يمكننا أن نجزم أن الذكاء الاصطناعي سيعيد هيكلة قطاع الرعاية الصحية والسلامة من جديدة مع نهاية العقد القادم. لذا نحن بالانتظار.

في البداية: الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل

قبل أن نتحدث عن الدور الملموس للذكاء الاصطناعي في قطاع الصحة والسلامة علينا أن نتعرف على دوره في بيئة العمل. فكل القطاعات الصحية والمؤسسات مثل المستشفيات هي بيئة عمل تمتلك الكثير من الأعمال الإدارية في الأساس. لقد ترك الذكاء الاصطناعي لمسته السحرية فيما يتعلق بتيسير الأعمال، وزيادة الإنتاجية. وأما بالنسبة للمؤسسات الصحية فهنا نحن نتعامل مع منشآت خدمية، وهو ما يستطيع أن يتعامل معها الذكاء الاصطناعي على أكمل وجه. فالذكاء الاصطناعي هو العامل الأساسي في عملية تحسين تجربة المستخدم، فما بالك إذا كان هذا المستخدم هو مريض؟

أول ما يمكننا التحدث عنه هنا هو المراقبة والتعقب. هنا الذكاء الاصطناعي يتعامل مع البيانات من منظور رقابي، يتعامل مع البيانات الواردة ويتعقبها، وحينما يكتشف الخلل يقدم تقريرًا مناسبًا. كل ذلك من خلال تقنيات الأتمتة التي تتعامل مع فيض البيانات مستمر خلال كل ساعة في اليوم إذا ما تحدثنا عن المستشفيات. تعرف هذه التقنية ب RPA (Robotics Process Automation) وهي تقنية تعتمد على الخوارزميات وتقنيات التعلم الآلي ML والتي تتعامل مع كل الأعمال الإدارية الرتيبة. منها المراقبة والتعقب. كما يمكنها أن تتعامل عملية قبول أو رفض الملفات مثل المتقدمين لوظيفة، من خلال تفحص طلب التقدم ومراجعة سمات المتقدم مع السمات المفروضة من المديرين أو غير ذلك، ومن ثم يرد بالموافقة أو الرفض.

أثر الذكاء الاصطناعي على قطاع الرعاية الصحية

في الفقرة السابقة تحدثنا عن دور الذكاء الاصطناعي في تسهيل الأعمال الإدارية في المؤسسات الصحية والتي تتعامل مع الكثير من البيانات يوميًا. وتحدثنا عن تقنية ال RPA الأشهر على الإطلاق. ولكن قبل أن نتحدث عن مزيد من التطبيقات المتعلقة أكثر بالمستخدمين والمرضى، علينا أن نعرف أولًا أنه وبالرغم من الفائدة العظيمة والأثر الكبير الذي يتركه الذكاء الاصطناعي في تحسين خدمة المستخدمين والمرضى، إلا أنهم لا يدركون هذا الأثر ولا يعرفون مدى عظمته. وذلك ربما لأنهم دائمًا ما يقفون خلف الكواليس، هذا ما قاله Dan Housman الرئيس التقني لمكتب ConvergeHEALTH. يتابع Housman كلامه ليقول " هم في الواقع لا يقرأون التقرير الخاص بالعلاج الإشعاعي، وحتى لو، فهم لا يفهمونه كالمختص".

ولكن وبالرغم من هذا فإن المرضى يمكنهم الاستفادة من تطبيقات لا يعرفونها حتى. وكل ذلك بفضل التشخيص الدقيق، واتباع منهجية أكثر فعالية في العلاج، وهذا أول أثر يتركه الذكاء الاصطناعي. والآن لما لا نتعرف على التطبيقات الفعلية، والأثر المادي لتدخل الذكاء الاصطناعي – ليس فقط في الأمور الإدارية كما ذكرنا – وإنما في أكثر الأمور تخصصًا في القطاع الصحي؟ في الواقع توجد عدة تطبيقات، وكل تطبيق، على قدر فائدته، يتم الاستثمار فيه أكثر. وفيما يلي أول هذه التطبيقات.

Robotic-assisted Surgery

وهي عمليات جراحية يتم استخدام الروبوت فيها ليكون هو حلقة الوصل بين الطبيب وبين المريض الذي يجري الجراحة. تلك الروبوتات تقوم بأدق التفاصيل الجراحية، وهذا ما يجنب الأطباء الفتحات الكبيرة في الجسم للوصول لبعض المناطق. فالآن وباستخدام الروبوت في الجراحة، بأصغر فتحة ممكنة يمكن للروبوت أن يساعد الطبيب في إتمام المهمة على أكمل وجهة. بالرغم من أن تلك الروبوتات بدأت كمجرد آلة، لا تفكر أو تتخذ القرارات، بمعنى أنها لا تعتمد على الذكاء الاصطناعي، إلا أنها الآن يمكنها أن تفعل ذلك. فبدلًا من أن تكون مجرد أداة يتحكم بها الطبيب لإنجاز مهامه فقط، يمكننا أن نقوم بربط كل تلك الروبوتات المستخدمة في الجراحة حول العالم باستخدام تطبيق برمجي واحد، ومع ربط تلك البيانات والكلاود – التخزين السحابي - يمكننا أن نرى تلك الروبوتات تأخذ مسارًا جادًا في تصحيح بعض القارات للطبيب أثناء الجراحة، مثل المكان المناسب للفتح وغير ذلك.

وهذا لا يتوقف على الجراحة فقط. بل إن تلك الروبوتات، والتي تستطيع أن تمدنا بالكثير والكثير من البيانات، يمكننا – بمساعدة الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي – أن نصمم برامج محاكاة للعمليات الجراحية غاية في الدقة من خلال تخزين الآلاف من الحالات السابقة بما في ذلك العديد من القرارات المهمة للجراحين أثناء العمليات الجراحية. تخيل كل ذلك على تطبيق للهاتف مدعوم من الذكاء الاصطناعي موجود على هاتف كل طبيب أو طالب. إنها ثورة بلا شك. جدير بالذكر أن هذا أكثر التطبيقات التي تمتلك استثمارات بما يعادل 40 مليار دولار بحلول عام 2026.

Virtual nursing assistants

نحن الآن نتحدث عن الذكاء الاصطناعي، وإن أهم ما يمكننا الحديث عن في علاقة مؤسسة – مستهلك هو إضفاء الطابع الشخصي على الخدمة. فهذا التطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبارة عن خدمة تمريض واقعية مدعومة من قبل الذكاء الاصطناعي في سبيل إضفاء الطابع الشخصي على تجربة المرضى في المستشفيات والمؤسسات الصحية. 

الذكاء الاصطناعي في الصحة والسلامة المهنية